عين القضاة

29

شرح كلمات بابا طاهر العريان

أقول : الحجبة مصدر بمعنى الحاجب ، والمعارف جمع معرفة ، والإنكار ضدّ المعرفة ، والمراد بأسباب المعارف ما تظهر به المعرفة من عارف ومعروف ، وإنّما كانت هذه الأسباب حاجبة في حقيقة المعرفة ؛ لأنّ حقيقتها علم اللّه المفصّل في صور تفاصيل أشخاص العارفين ، وهو في الظاهر منسوب إليهم ؛ ولأنّ حقيقتها واحدة بوحدة المعروف ، وهي متكثّرة في الظاهر لكثرة المظاهر ، فعين ما تظهر به المعرفة حجابها . وأمّا قوله : ( وحقيقة المعرفة في ذات الحقيقة حجبة ) ؛ فمعناه أنّ الحقيقة المطلقة إذا أضيفت إلى المعرفة تقيّدت بها ، والقيد حجاب المطلق ، وهكذا إضافة الذات إلى الحقيقة ، وإضافة المعرفة إلى الذات سبب تقييدها بالحقيقة والذات . والحاصل : أنّ كلّ حقيقة مطلقة مقيّدة بالإضافة إلى الأخرى . وأمّا قوله : ( والحجب كلّها معارف ) ؛ فمعناه أنّ الحقائق المطلقة لا تعرف إلّا بالقيود ، وهي الحجب ، ومن هذا قيل : الإضافة تقيّد المعرفة . وأمّا قوله : ( والمعارف كلّها إنكار ) ؛ فلأنّ حقيقة المعرفة وجدان المعروف بعد سابقة فقدانه ، وذلك توهّم أنّ العارف غير المعروف ، والحقّ أنّهما واحد ، وهذا خلاف المعرفة الموجبة لإدراك الشيء على ما هو عليه . وقال : ( نسيان الحقّ بالمعرفة توحيد ، وذكر الحقّ بالجهل كفر ) . أقول : الذاكر العارف قد يستغرق في مشاهدة مذكوره عن الذّكر ، ويغيب عن جهتي الذاكر والمذكور ، وهذا النسيان عين التوحيد ، لأنّه مقرون بحقيقة المعرفة . وأمّا غير العارف ، فلا يجدي ذكره توحيدا ، بل ينتج كفرا ؛ فإنّه مع الجهل بالمعرفة . وقال : ( ليس للعارف اختيار ، ولا يخلو المريد من الاختيار ، والاختيار من الحقّ اختبار ) . أقول : المريد في بداية أمره لا يخلو من الاختيار ، وفي النهاية إذا كوشف بصريح المعرفة ترك اختياره ، فلا يختار لنفسه إلّا ما اختاره اللّه له ؛ فإنّه هو